تاريخ الماسونيةحضارات قديمة و الماسونية

الحقيقة وراء اسم بافومِت

قام ملك فرنسا فيليب الرابع في بدايات القرن الرابع عشر بحملته المشهورة ضد فرسان المعبد حيث قام بإلقاء القبض على عدد كبير منهم ومن ثم تعذيبهم و قتلهم ، إن هذا التصرّف من الملك طال أيضاً  أشخاصاً لا علاقة لهم بفرسان المعبد ولكن كانوا خصوماً سياسيين له ومنهم مثلاً البابا بونيفاس الثامن حيث تم توجيه عدد من التهم المثيرة للريبة تجاههم فاتهمهم بتهم البصق والتبول على الصليب وإهانة المقدسات الدينية وممارسة اللواط لهذا السبب يرى المؤرخون الأوروبيون أن دافع هذه الحملة كان سياسياً واقتصادياً (نظراً للثراء الفاحش الذي تمتع به فرسان المعبد آنذاك من غنائم الحروب وامتلاك الاقطاعات المترامية الأطراف واعتمادهم نظاماً ماليّاً مصرفيّاً خاصّاً متطوراً مربحاً واتساع نفوذهم الاقتصادي والسياسي بشكل كبير جدا وحاجة الملك فيليب الرابع الملحّة للمال وقتها لأسباب يطول ذكرها)  أكثر من كونه دينياً لكن الدين كان الذريعة للقمع  .

ومن ضمن هذه الإتهامات بحق فرسان المعبد هي عبادة “بافومت” حيث جاء في هذه الاتهامات أنه كان لديهم – أي فرسان المعبد – أصنام و رؤوس  بعضها لها ثلاثة وجوه والبعض الآخر وجه واحد وكانوا يعبدونهم كإله وكمنقذ لهم و يأتي اسمه بالعديد من الإعترافات بإسم بافومت

سأحاول هنا ذكر عدة نظريات حول أصل هذه التسمية ودلالاتها

أولاً بافوميت أم موهاميت:

بالحقيقة إن اقدم ذكر لبافومت كان في الرسائل الصليبية الخاصة ب انسليم من ريبمونت المؤرخة بتاريخ تموز 1089 م بمقطع يتحدث فيه عن حصار انطاكية من قبل المسلمين الترك وجاء فيه باللغة اللاتينية :

Sequenti die aurora apparente, altis vocibus

Baphometh” invocaverunt; et nos Deum nostrum in cordibus nostris deprecantes, impetum facientes in eos,

de muris civitatis omnes expulimus.”

ترجمة النص تقول :

( وفي اليوم التالي نادوا بصوت عالي على بافومت ، صلينا بصمت في قلوبنا إلى الرب ، عندئذ هاجمناهم وأجبرناهم على الخروج من أسوار المدينة )

هذا المقطع يبين أن المسلمين الترك صاحوا بأعلى صوتهم  بافومت باهوميت لكن على ما يبدو كانت هي عبارة عن كلمة موهاميت ” muhammet ” أي دعاء من الجنود الأتراك ل محمد

لذلك نجد أن قاموس اوكسفورد وعدد من العلماء اللغوين يقترحون أن كلمة “Baphomet” هي تحريف من الكلمة القديمة  “Mahomet” وهي اللفظ التركي لكلمة ” محمد”

ثانياً معمودية الحكمة  :

في القرن الثامن عشر ظهرت عدة نظريات تربط بين فرسان المعبد والماسونية وتحديداً في العام 1782 م قام الكاتب الألماني كريستوف فريدريك نيكولاي ( FriedrichNicolai)‏  ولد في 18 مارس 1733 في برلين في ألمانيا وتوفي  في 11 يناير 1811 بالربط بين أفكار فرسان المعبد وتنظيمهم السري الذي يعتبر إحياء للأسرار الغنوصية القديمة كالمثرائية التي كانت العبادة السرية لطبقة النبلاء الرومان والتي أخذوها بدورهم من العبادات الغنوصية السورية جعلهم يفسرون كلمة “بافوميت”   “Baphomet” بالعبارة الإغريقية  baphe metous والتي تعني”معمودية الحكمة” وهذا المعنى يتوافق مع تنظيمات الأسرار الغنوصية أي فكرة معمودية الحكمة وخصوصاً عند المذاهب الفيثاغورثية في الهلال الخصيب لذلك نجد ربط بافوميت معمودية الحكمة بالنجمة الخماسية الخاصة بالحكمة الشرقية والتي أخذتها الجماعات السرية عن فيثاغورث والتي ترمز للمكونات الاربعة

“ماء نار تراب هواء و الروح ”

ثالثاً  صوفيا أو شوفيا :

حاول البعض ربط كلمة “بافوميت ” بتشفير أتباش العبري الذي كان مستخدماً في المخطوطات البحر الميت والذي يعتبر من أقدم الشيفرات الابداية في العالم ويعتمد على استبدال الحرف الاول بالاخير والثاني بالقبل الاخير وهكذا فيكون بافومت حسب هذا النشفير هي شوفيا او سوفيا وتطابق الكلمة اليونانية Sophia وتعني الحكمة وهي تطايق ايضاً فكرة معمودية الحكمة الموجودة في الاسرار.

صوفيا

الذي كان مستخدماً في مخطوطات البحر الميت والذي يعتبر من أقدم الشيفرات الإبدالية في العالم و يعتمد على استبدال الحرف الأول بالأخير والثاني بالقبل الأخير وهكذا فيكون بافومت حسب هذا التشفير هي شوفيا او سوفيا وتطابق الكلمة اليونانية Sophia وتعني الحكمة وهي تطابق أيضاً فكرة معمودية الحكمة الموجودة في الأسرار .

هنا يبرز ملحّاً السؤال التالي :  ماهو إذاً أصل الأشكال أو الصور المعروفة اليوم لبافوميت ؟

في الحقيقة هي مجرد تصور وضعه الرسام الفرنسي السريالي إيليفاس ليفي وذلك سنة 1856 م حيث صوره انطلاقاً من شكل خنثى مجنحة مع شعلة بين القرنين وهذه الشعلة حسب ليفي هي شعلة الذكاء الكوني الذي يؤمّن التوازن بين المكونات المختلفة والذي يسمو عن المكونات المادية بالتالي كان صورة للروح المنزهة عن المادة بالإضافة إلى نجمة خماسية تعد رمز للفيثاغورثية التي تعتبر من الرموز الإلهية للإبداع الكوني عن طريق تمثيلها للعناصر الأربعة المادية بالإضافة للروح فكان بالتالي قلب النجمة يحولها من دلالة الخير الى دلالة الشرور المادية وعلى أذرعه الكلمات اللاتينية SOLVE ” وحيد ” والذراع الأخرى COGULA  ” ضمهم معا”

كما نلاحظ ان هذا الرسم يجمع بين الأضداد فنجد أن جسده جسم إنسان ورأسه رأس تيس والجسد البشري يدل على الذكورة والانوثه وأصبعان نحو الأعلى في اليد اليمنى دلاله على السماء والقيم الروحية وإصبعان نحو الأسفل في اليد اليسرى  في دلالة على الأرض القيم المادية فنجد جلياً في هذا العمل الفني ل ليفي تأثره بالأسرار الهرمسية التي كانت لها شهره في عصر النهضة وخصوصاً أننا نجد عصا هرمس ” الگاديسيوس” مرسومة على بطن بافوميت وهذا دلالة على التوازن الكوني في إجتماع الاضداد أيضاً أما الأجنحة نجد ليفي قد تأثر بفكرة الشيطان الملاك الساقط حيث صور بافوميت بشكل ملاك شيطاني كانت فكرة ليفي خلق رمز سحري يستخدم الدلالات القديمة للمدرسة الغنوصية في تفسيره تطور فيما بعد ليعتبر رمزاً للشيطان وعبادة الشيطان في العالم حيث إتخذوه رمزاً لهم على مايبدو في ردة فعل على الكنيسة ومحاكم التفتيش التي إتخذته ذريعة لإرتكاب الجرائم بحق فرسان المعبد وغيرهم من المعارضين لها

أما بالنسبة للرمز الشهير المكون من النجمة الخماسية الشهيرة المقلوبة التي تحتوي بداخلها رأس العنزة والمحصورة بداخل دائرة وتحوي كتابة وهي samael وهي شخصية تلمودية تعبر عن زعيم الشياطين ( ثمائيل) كما نجد كلمة lilith ( ليليث ) المرأة المتمردة زوجة أدم الأولى الموروثة من التقاليد السومرية كما نجد كلمة برؤوس النجمة أحرف عبرية تفسر على أنها Leviathan ( لوياثان)  الوحش التوراتي الأسطوري الموروث من الثقافة الكنعانية  بالتالي هي توسع في نجمة ” بافوميت ” التي رسمها ليفي في 1856 م وقلب النجمة يعني قلب مفهومها و أول إستخدام لهذا الرسم كان في كتاب الكاتب الفرنسي Stanislas De Guaita ستانيسلاس دي غوايتا في العام 1892 م وأصبحت رمزاً لبافومت فيما بعد وتستخدمها حتى اليوم كنيسة الشيطان وأعضائها رمزاً لهم .

وبعد الإطلاع على تاريخية هذه الرموز ومفاهيمها وزمن إستخدامها يجب أن نكون قد صوبنا بعض المفاهيم التي تم تحميلها للرمز بشكل مبالغ فيه من إعطاء المعتنقين لتلك الرموز القدرة والسيطرة التي هي في الحقيقة قدرة غير حقيقية وغير موجودة حيث نجد هذا التهويل عند المنادين بنظرية المؤامرة التي تضع ” بافوميت ” محرض و رمزاً للشر وهو في الحقيقة رمز كغيره من الرموز له اصل وحكاية وتاريخ أوجده أشخاص و وضعوا له مفاهيم ودلالات من الإرث الحضاري الإنساني للعالم القديم حتى يعطوه مصداقية

القلم الحديدي 2020/9/3

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى