مقالات متنوعة

ملخص كتاب دروس من التاريخ للمؤرخ ويل ديورانت

بعد الانتهاء من موسوعتهما الضخمة (قصة الحضارة) التي تعد من أهم المراجع في التاريخ على الإطلاق، سجل المؤرخ ويل ديورانت وزوجته أريل ملاحظاتهما عن الأحداث التاريخية، والتعليقات التي يمكنها أن توضح الأوضاع الحالية والاحتمالات المستقبلية وطبيعة الإنسان وسلوك الدول، وحصراها في هذا الكتاب الذي أضع بين أيديكم ملخص ما جاء فيه في هذا المقال .

 

التاريخ والأرض

 

يبدأ ديورانت الدرس الأول من دروس التاريخ بالتأمل في الأرض والجيولوجيا، وبالإشارة إلى التواضع الذي يجب أن يمنحه تفكر البشر في تاريخ الجنس البشري على هذا الكوكب فرغم أن الإنسان استطاع السيطرة على الكثير من الظواهر الطبيعية واتقاء شرها بل وتطويعها لخدمته أحيانًا، فإن مُذنّبًا يصدم الأرض بإمكانه إنهاء حضارة كاملة. كما أن الجيولوجيا لها الفضل في قيام الحضارات وليس إنهاؤها فحسب فإن حضارات عظيمة لم تكن لتقوم لولا وجود نهر

 

في بقعة ما في الأرض ومع هذا فإن تطورالتكنولوجيا بمرور الوقت يقلل من أثر البيئة وسطوتها على الحضارات. فالإنسان في النهاية لا البيئة.. هو من يصنع الحضارة.

 

التاريخ والبيولوجيا

 

التاريخ البيولوجي للإنسان هو الآخر يحثه على الشعور بالتواضع ويذكره بدوافعه الأساسية في التكاثر والصراع على البقاء فقد يحاول فردٌ معاندة قانون البقاء لكن الجماعة والنوع سيخضعون له في النهاية فالحياة إنما هي منافسة والتعاون ما هو إلا حالة استثناء.

ويعلمنا تاريخ الكائنات أن البيولوجيا لم تقرأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فالبشر لا يولدون أحرارًا ولا متساوين بل إنهم محكومون بتنوعهم حسب الجينات والعوامل النفسية والجسدية فالطبيعة تحب الاختلاف لأنه يمكّنها من اختيار من الذي سيبقى أضف إلى هذا الانتقاء الطبيعي الانتقاء الصناعي الذي تفرضه تصورات المجتمع وثقافته.

 

درسٌ آخر من البيولوجيا والتاريخ هو أن الطبيعة لا تهتم بالنوع والحضارة بقدر ما تهتم بالكم والتكاثر فالمزية الأهم طبيعيًا هي القدرة على التكاثر وتمرير الجينات لا تمرير الثقافة.

 

التاريخ والأعراق

 

يبدأ الكاتب هذا الفصل بعرض بعض الادعاءات بتفوق أعراق معينة كالعرق النازي أو الأبيض ثم يعارض هذه الادعاءات بذكر حضارات عظيمة نشأت من أعراق أخرى غير هذه كالحضارة الصينية وحضارة الآزتك أو الحضارة الإسلامية ويتطرق إلى مسألة داكني البشرة مشيرًا إلى أن هذا العرق لم تساعده الجغرافيا والمناخ لبناء الحضارات لكنه نبغ في أماكن اخرى عاش بها.

وينوه الكاتب بنقطة أخرى هي أن العرق إنما هو تمهيدي لا خلاّق فالحضارات الجديدة تنتج عن اختلاط أعراق مختلفة بدورها تولد عرقًا جديدًا ذا ثقافة جديدة ينتج عنها حضارة فالثقافة بناء علی ذلك هي من ينتج الحضارة وليس العكس.

 

التاريخ والشخصيات

 

تبنى المجتمعات على طباع البشر. فالدستور قبل أن يُكتب على الورق إنما يكتبه دستور الإنسان نفسه.

 

الطبيعة البشرية لها مشاعر وغرائز منها ما هو إيجابي وآخر سلبي.. العمل يقابله الراحة والإبداع يقابله التقليد لم يتغير الإنسان في التاريخ المسجل بشكل يذكر على مستوى الغرائز والدوافع وما تزال أهدافه بالمجمل هي نفسها التي وجدت قبل ألفي عام مثلًا من رغبة في التزاوج والسلطة وما إلى ذلك ، التغيرات التي تطرأ إنما هي تغيرات اجتماعية حسب الظروف والتحديات التي تتطلب الحلول. وهنا يأتي دور الشخصيات العظيمة شخصيات الذين يسبقون أزمنتهم وأمكنتهم لتغيير مجرى الأمور مستغلين في ذلك بعد النظر أو العلم أو الذكاء.

ولا يعمل الإبداع والتقليد كل ضد الآخر كما يبدو للوهلة الأولی بل إنهما متكاملان تمامًا فوجود الفئة التابعة المذعنة وجود مهم والصراع بينها وبين فئة المبدعين صراع مهم كذلك فهم يساعدوهم على تحقيق أهدافهم الثورية تارة ويمنعوهم ويثبطوهم تارة أخرى، وهذا ضروري لأن الأفكار الثورية ليست بالضرورة أفكارًا مناسبة، وقد يكون اعتراض العامة في بعض الأوقات مفيدًا ومنقذًا.

 

التاريخ والأخلاق

 

الأخلاق هي القواعد التي يحث عن طريقها المجتمع أفراده على ممارسة سلوكيات ما. ويشير الكاتب في بداية الفصل

 

إلى أن الأخلاق تتغير بالزمان والمكان، لكنها تتفق بجوهرها.

فما كان محمودًا في مرحلة الصيد من تاريخ الإنسان، من القدرة على القتل والتحلي بالشراسة والطمع، بهدف توفير الأمان، لم يعد مرغوبًا به في مرحلة الزراعة.. وتعدد الزوجات الذي كان أمرًا جيدًا في مرحلة الصيد بسبب معدل موت الذكور المرتفع..أصبح غير محبذٍ في المرحلة الزراعية. كما أن أسلوب المرحلة الزراعية التي تقدس الأسرة والأطفال وتحبذ الزواج المبكر، لم يعد مناسبًا في المجتمعات الصناعية التي تتسم بالنزعة الفردية، وعدم الرغبة في تكوين الأسرة أو الزواج.

كذلك الأمر بالنسبة إلى النصوص الدينية، التي تتضاءل سلطتها في المجتمعات الصناعية، حيث تهيمن سلطة العلم.

نقطة أخرى ينوه بها الكتاب هي أن الحروب قد تؤدي إلى تراخٍ في الأخلاق ، ذلك أن القوي يبدأ في تحديد الصواب، وفرض أخلاقياته. ويختم الكاتب هذا الفصل بالتأكيد على فكرة أن الانحلال الأخلاقي والفساد له نصيب في كل الحضارات والأزمنة، ويضرب له أمثلة في الملكية الإنجليزية وعصر النهضة وغيرها. فلا يتفق مع من يدعون باستمرار أننا نعيش أشد فترات الانحلال.

كما أن كتب التاريخ تركز على الأحداث المثيرة، وهذا قد يبتعد بنظرنا عن أوقات عاشت فيها أفراد وجماعات وأسرٌ بسعادة وإخلاص بعيداً عن كل الشرور والخيانة والفساد الذي تحشده كتب التاريخ.

 

 

التاريخ والدين

 

يبدأ الكاتب هذا الفصل بالتنويه بأهمية الدين في توفير العزاء والراحة النفسية، وإضفاء القدسية للعلاقات والسمو بها. لكنه رغم ذلك يعتبر أن الأخلاق لم تكن أساس الدين، إنما هو الخوف من الطبيعة وظواهرها..وأن الكهنة استغلوا هذا الخوف لفرض قوانينهم وأخلاقياتهم. وقد ظلت الكنيسة تشكل السلطة الأعلى حتى بدأت لاحقًا عصور التشكيك، بالإضافة بزوغ الحركات القومية، الأمران اللذان بدءا يفقدانها مكانتها.

وذكر ديورانت مواضع كانت السلطة الدينية فيها مصدرًا مهمًا للأخلاق الحميدة وأخرى شكلت فيها أدواتٌ للفساد، واعتبر أن حل الإشكال بين الدين والفلسفة لا يكمن إلا في أن تعترف الفلسفة أنها لا تستطيع أن تجد مصدرًا ثابتًا بديلًا للأخلاق مكان الدين، بينما يتوجب علی السلطة الدينية أن تفسح المجال للعقل أن يعتقد أو يفكر كما يشاء.

أما عن سؤال “هل يدعم التاريخ وجود الله” وهنا يوضح ديورانت أنه يقصد الإله الرحيم المتسامي، وليس مجرد القدرة الخلاقة للطبيعة فالجواب عند ديورانت يميل إلى أن يكون بالنفي.. لأن التاريخ بالنهاية يعمل بقانون البقاء والانتقاء الطبيعي، ولا تعنيه الفضيلة. كما أن الكوارث

 

والظواهر الطبيعية المدمرة حسب ديورانت لا تدعم وجود أي قوة رحيمة.

نقطة أخرى يشير إليها ديورانت هي أن أهمية الدين تضاءلت بتضاؤل الإنسان عبر التاريخ، ذلك أن اكتشافات مثل اكتشاف كوبرنيكوس عن عدم مركزية الأرض، تفقد الإنسان شعوره بأهميته في الكون. وهذا طبعا ليس سببًا وحيدًا لتراجع السلطة الدينية، إنما أحد العوامل. إلی جانب عوامل أخرى كحركات الإصلاح البروستانتي والحركات الربوبية في إنجلترا. واستبدال الزراعة (التي تعزز الإيمان بالبعث) بالصناعة التي تعتمد على الماكينات، وخروج المؤسسات التعليمية من التبعية للكنيسة إلى سيطرة رجال الأعمال والعلماء.

 

في نهاية هذا الفصل يكمل ديورانت بالتأكيد على أن الدين يموت ويبعث من جديد..فعندما يتم التمرد على دين ما، سرعان ما يظهر شكل آخر من أنواع التدين ليأخذ مكانه، ويختم بأن الاستمتاع بالحرية مهم، ومع ذلك فإن الحذر من إهمال الاحتياجات الروحية تمامًا أمر ضروري للأمم.

 

التاريخ والاقتصاد

 

يرى كارل ماركس أن التاريخ ما هو إلا استعراض للصراعات

 

الاقتصادية، ويتفق ديورانت جزئيًا مع هذا الرأي، ويعرض بعض الأمثلة عليه، من دور الثورة الصناعية في ظهور الديمقراطية والحركات النسوية، ودور الرغبة في السيطرة على الطرق التجارية في شن الحملات الصليبية، أو دور عائلة ميديتشي ومهاراتها المصرفية في حركة التنوير في فلورنسا.

لكنه يلفت إلى أن دوافع الأحداث التي تغير التاريخ ليست دائمًا دوافعَ اقتصادية، إنما تكون في بعض الأحيان دوافع دينية أو وطنية.

ويصنف ديورانت الناس بالنسبة للاقتصاد إلى ثلاث فئات، أولهم فئة تدير الأشياء، وهذه الفئة تديرها فئة ثانية تستطيع إدارة الناس.. أما الفئة الثالثة ومن يتحكم بكليهما، هي الفئة التي بإمكانها إدارة الأموال ومراقبة السوق.

ويختم ديورانت الفصل بالإشارة إلى أن اختلاف الناس في القدرات يحتم تراكم الثورة في نهاية المطاف في إحدى الطبقات، وأن ازدياد عمق الفجوة بين الطبقات سيزعزع الاستقرار ويؤدي في نهاية الأمر إلى إعادة توزيع الثروات، إما عن طريق الإصلاحات أو الثورات العنيفة.

 

التاريخ والاشتراكية

 

الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية قديم ومستمر،

 

فالرأسمالية لن ترضى إلا بحرية التنافس وما يتبعها من حث على الإبداع دون تدخل الدولة، والاشتراكية ستثور دائمًا ضد الفروق الطبقية والتلاعب والاحتكار، ويضرب ديورانت أمثلة كثيرة من التاريخ على دول ذات مظاهر اشتراكية وتدخل للدولة في أدوات الإنتاج قامت قديمًا في حضارات منها سومر وبابل وروما والصين. ويُفشل هذه التجارب عادة حسب رأي ديورانت، الضرائب الباهظة والتجنيد الإجباري والفساد، فالمؤسسات العامة معرضة هي الأخرى إلی ظهور الفساد كحال نظيرتها الخاصة. وينهي الفصل بالحديث عن كارل ماركس وفريدريك إنجلز وبيانهما الشيوعي، ويعتبر أن ماركس قد خان الفيلسوف “هيجل” الذي كان له الأثر الكبير على فلسفته إذ أن الجدل الهيجلي ينص على أن وجود أطروحتين متناقضتين يجب أن يتمخض عنه أطروحة ثالثة تتفوق على كلتيهما، وهذا ما يراه الكاتب ويل ديورانت الصواب، وهو أن تخشى الرأسمالية بطش الاشتراكية فتنظم نفسها، وأن تخشى الاشتراكية بدورها تفوق الرأسمالية، فتسمح بحد ما من الحرية الاقتصادية.. فينتج مزيجًا معقولًا يحقق نوعًا من العدالة بين البشر.

 

التاريخ ونظام الحكم

 

عدّ ديورانت في بداية هذا الفصل نظام الحكم الملكي أكثر طبيعية من باقي الأنظمة، وأكثرهم ديمومة عبر التاريخ، وذكر عدة أمثلة ناجحة عليه، كفترات حكم ماركوس أوريلوس وهدريان وغيرهم من ملوك الرومان، لكنه عاد ونوه بأضراره من جانب أن وراثة الحكم عادة ما تولد انعدام مسؤولية وتبذير وشرور كثيرة.

وبالنسبة للحكم الأرستقراطي، أي الذي يفضل النسب على المال أو المكانة الدينية.. فإن من مزاياه أنه يشكل مستودعًا للثقافة، ويحول دون انتشار الخبل الفني، والتغيرات المفاجئة للكود الأخلاقي، ولكنه مع ذلك لا ينتج الفنون، إنما يلهمها ذلك أن العبقرية تتطلب الكد الشيء الذي لا يضع الأرستقراطي نفسه تحت وطأته. ومن سلبيات هذا النوع من الحكم، الانشغال في إنفاق مصادر الدولة على المظاهر والحروب غير الضرورية، وقهر الناس في سبيل المحافظة على أسلوب حياة السلف.

يطرح ديورانت بعد ذلك تساؤلًا عما إذا كان التاريخ يبرر الثورة. ويجيب عليه بأنه على الرغم من ضرورة التخلص من الأنظمة القديمة والفاشلة، إلا أن ذلك في كثير من الأحيان لا يتطلب العنف. ويضرب بعض الأمثلة منها تغيرات حققتها أمريكا، أو تحقيق إنجلترا في القرن التاسع عشر تغييرًا مسالمًا كان بإمكان الثورة الفرنسية تحقيقه دون اللجوء إلی العنف.

ثم يختم ديورانت هذا الفصل بالحديث عن الديموقراطية،

 

ويستهل ذلك بطرح رأي أفلاطون بشأن الديمقراطية، بوصفها فوضى وعنف وانحلال، وطريق يؤدي إلى الديكتاتورية في نهاية المطاف، ويطرح ديورانت بعض الأمثلة التي تؤيد هذا التصور، وبعض صور الفساد التي من الممكن أن تسود في حكم ديمقراطي. ثم يعود في النهاية ليعتبر الديمقراطية أقل أنظمة الحكم ضررًا وأكثرها فائدة، بوصفها شكلت صداقة حميمة بين الجنس البشري، وأعطت الفكر المزيد من الحرية، وأزالت الامتيازات التي فرقت بين البشر، وأنها مبررة ومستساغة إذا وفرت فرص تعليم متساوية، معتبرًا هذا ليس حق طبيعي بقدر ما هو امتياز يعود بالنفع الكثير على المجتمع.

 

التاريخ والحرب

 

عد ديورانت الحرب من ثوابت التاريخ، وأنها من أشكال التنافس والانتقاء الطبيعي. ويذكر أن كل ما لدينا من تاريخ مسجل لا يخلو من الحروب إلا في فترات قليلة.

 

وأضاف أن النزعة القومية تغذي نار الحروب وتؤججها، فإن دولة ما عندما تبدأ في معاداة دولة أخرى، سرعان ما تحفز مواطنيها على محاربتها عبر إشاعة الكراهية القومية.

يبدأ ديورانت بعد ذلك حوارًا افتراضيًا بين فيلسوف

 

يعارض الحرب وقائد عسكري يرى أنها أمر لا بد منه. فيحاجج ديورانت على لسان القائد العسكري بأن الناس تموت بكل الأحوال، فما الذي يمنع أن يكون موتهم تجاه أوطانهم وقضاياهم؟ ثم إن الأخطار التي تحدق بالبلدان -كما كانت ترى الولايات المتحدة وإنجلترا تقدُّم الشيوعية في ذلك الوقت- لا بد من وجود من يقف لها بالمرصاد، وأن هذه ضرورة تاريخية لا بد من حدوثها. فيرد الفيلسوف بأن الحرب ربما تكون بالفعل ضرورة تاريخية لتسيير الأمور وتحقيق المنافع، لكنه يظن أن ثمة ما يدفعنا للوقوف بوجه هذه الصيرورة التاريخية، والتخلي حتى عن المنافع والمصالح، ألا وهو الإنسانية، التي توجب مراعاتها حتى لو أدت بالدول إلى الخسارة والتراجع.

 

التاريخ والنمو

 

يقول ديورانت أن التاريخ يعيد نفسه في المجمل لا في الجزئيات، فإننا نجد الأمم تنهض وتنهار في كل زمن، والعقلانية ترجع دائمًا لتستبدل الأساطير والمعتقدات القديمة. والدوافع الأساسية للحصول على الجنس والسلطة والغذاء تستمر عبر الأزمنة، مع ملاحظة أن سطوة العقل عبر الزمن تجعل الأفراد يمليون إلى التفرد لا إلا تصرفات القطيع.

 

 

ثم ينتقل بعد ذلك إلى تصورات بعض المفكرين بشأن تقسيم التاريخ، من حيث أنه يحتوي فترات “أساسية” تبنى فيها قيم معينة، وتتسم بالتنظيم والاتفاق. وأخرى “نقدية” هدامة تقوض ما بنيت عليه الفترات الأساسية، وتتسم بالنزاعات. وقد تتجلی الفترة الأولى في الحقبة المسيحية، أما النوع الثاني فأقرب إلى الفلسفة اليونانية في هدمها للأساطير في ذلك الوقت.

وتنشأ الحضارات من وجهة نظر ديورانت لا من العقود الاجتماعية، إنما عبر الاحتلال وهيمنة منتصر ما وفرض ثقافته على الطرف الأضعف. كما أن التحديات بمختلف أشكالها سواء أكانت طبيعية أم اقتصادية أو سياسية أو تغيرات على مستوى الكود الأخلاقي، كل ذلك يحدد ما إذا كانت حضارة ما ستقوى وتستمر، وذلك عبر العقول اللامعة القادرة على إيجاد الحلول لهذه التحديات، وتغيير مجريات الأحداث. أما عن سبب ظهور مثل هذه العقول اللامعة هو ببساطة وجود الأسس البيولوجية والنفسية الكافية.

اضمحلال الأمم كذلك لا يملك سببًا واحدًا محددًا، فإن أي تحدٍ سبق ذكره دون وجود مقومات للتغلب عليه قد يقوض حضارة ما وينهيها.

يختم ديورانت الفصل بفكرة أن الحضارات لا تموت، إنما يندثر إطارها ويتغير مكانها، ويبقى ما أنتجته من أفكار

 

وعلوم وتراث مقروء، ليكمل في أماكن أخرى حيث تستفيد منه حضارات لاحقة وتضفي إليه.

 

هل التقدم حقيقي؟

 

يذكرنا الفصل الأخير من هذا الكتاب في البداية بضرورة تعريف التقدم.. فإذا اعتبرنا أن التقدم الحقيقي يكمن في التطور العلمي، فإن ذلك يجعلنا نصطدم بحقيقة أن التقدم العلمي في بعض الأحيان يجلب الكثير من الخراب ويزيد من براعة الشر وتطور الأسلحة وأجهزة الدمار، وإذا نظرنا إلى الجانب الفكري، فبإمكاننا أن نشكك كذلك في أن التغيرات التي طرأت على الفكر والفلسفة استطاعت تقديم كود أخلاقي يتفوق على نظائره في العصور القديمة ذلك أن التغلب على التعصب الديني استبدل في كثير من الأوقات بالتعصب العرقي أو الوطني.

نقطة أخرى يشير إليها ديورانت هي أن حضارة معينة قد تحدد معيار التقدم الخاص بها. فتجد بلاد ما تصب تركيزها على الماديات والإنتاج العلمي، وأخرى على الفنون.. وهكذا دواليك.

وفي نهاية الفصل يعتقد ديورانت أنه في حال اعتبرنا أن التقدم يساوي تحقيق السعادة، فإننا على هذا النحو يمكننا تقريبًا أن ننفي تحقيق أي تقدم، أما إذا كان التقدم يعني المزيد من السيطرة على الطبيعة، فهذا يبدو معقولًا، ورغم

 

المساوئ الجمّة إلا أنه قد ساعدنا في القضاء على كثير من الأمراض والمجاعات والمصاعب .

 

القلم الحديدي 1/1/2021

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى