مقالات متنوعة

ما بين هرمس وإفلاطون

في رؤيا هرمس خاطبه صوت النور المالئ الكون بأسره و كاشفه بالسر الإلهي: النور الذي تراه هو الروح الإلهي الحاوي كل شيء بالقوة المتضمن رسوم كل الكائنات أما الظلمة فهي العالم المادي العائش فيه بنو الأرض و الضياء المتدفق من الأقاصي هو الكلمة الإلهية.

أما روح الإنسان فحياتها على وجهين : الأول تقلبها في المادة و الثاني ترقيها في النور. إن الأرواح بنات السماء و سفرها تجربة لها، ففي التجسد تفقد ذكرى نشأتها السماوية وسُكرها بخمرة الحياة في أثناء اعتقالها في المادة ينحدر بها كسيل ناري إلى مواطن العذاب و الهوى و الموت، و ذلك بولوجها السجن الأرضي الذي أنت فيه الآن و تحسب الحياة الإلهية أضغاث أحلام .

إن الأرواح الشريرة المتدنية تبقى معتقلة في الأرض بأغلال تناسخات مترادفة، أما الأرواح السامية فترتقي إلى الأفلاك العلوية لتحظى من جديد بمرأى الإلهيات وتسعد فيها بقوة ما أحرزت من الإحساس والإرادة الفعالة المكتسبة في غمرة معاناة الآلام والأوجاع ومغالبة الأهواء والشهوات الأرضية وتصبح بذاتها نيرة لأن النور الإلهي موجود في جوهرها وأفعالها.

فثبِّت إذاً قلبك يا هرمس و سكّن روعك عند نظرك إلى الأرواح الصاعدة في معرج الأفلاك العلوية توصلاً إلى الأب الذي منه يبدأ و إليه ينتهي كل شيء منذ الأزل و إلى الأبد. ثم سبّحت الأفلاك السبعة هاتفة: الحكمة، الحب، العدل، البهاء، العظمة والخلود .

في هذه الرؤيا تجد يا بني كل شيء وكلما توسعت في إدراكها اتسعت لديك حدودها لأن ناموساً نظامياً واحداً يدير العوالم كلها. إن الحقائق العظيمة مستورة تحت حجاب السر، ولا يكاشف بالمعرفة التامة إلا من جاز في التجارب التي جزنا فيها.

الحقائق تُعطى على قدر مبلغ العقول ولا يجوز إفشاؤها للضعفاء لئلا يتهوسوا بها ولا للأشرار لئلا يسخروها لعمل الشر، فأحفظها في صدرك، وانشرها بلسان أعمالك و ليكن العمل قوتك والناموس سيفك و الصمت ترسك.

– الكلُّ روح و العالم ذهني.

– ما هو فوق مماثل لما هو تحت، و ما هو تحت مماثل لما هو فوق.

– لا شيء ساكن كلُّ شيء يتحرك، كل شيء يتذبذب.

– كل شيء مزدوج و لكل شيء قطبان. للمماثل وللمغاير معنىً واحد. للقطبين المتعارضين طبيعة واحدة مع تفاوت في الدرجة. الطرفان الأقصيان يلتقيان. جميع الحقائق أنصاف حقائق، جميع المفارقات قابلة للتوفيق بينها .

– كل شيء يسري في الداخل و في الخارج . لكل شيء أجل . كل شيء يتقدم ثم ينتكس. تمايل الرقاص تراه في كل شيء وقياس تمايله إلى اليمين مساوٍ لتمايله إلى اليسار. الإيقاع ثابت.

– لكل سبب نتيجة ولكل نتيجة مسبب، كل شيء يحدث وفاقاً لناموس. الحظ ليس إلا ناموساً لم يعرف. مستويات السببية متعددة ولكن لا شيء يفلت من الناموس.

– لكل شيء جنس وفي كل شيء جنسا الذكورة والأنوثة والجنس يظهر في جميع المستويات.

 

أفلاطون

– الإنسان روح متجسدة تتوق دوماً إلى العود إلى المكان الذي انحدرت منه .

– تضطرب الروح عند استعمالها الجسد، ويعتريها الدوار لأنها تداخل أموراً من طبيعتها التقلب، وعندما تنظر إلى جوهرها الذاتي فإنها تميل إلى ما هو نقي وأزلي وخالد وتبقى متحدة به ويفارقها التيه والغرور والضياع فهو ثابت لا يتغير وهذه حالة في النفس ندعوها الحكمة.

– يتعذر على الروح ما دامت رهينة الجسد أن تصل إلى الحق بسبب رغبات الجسد ومتطلباته، وبسبب الجهل والخوف لكن بعد الموت وقد تخلصت من حماقة الجسد فإنها تستطيع معرفة جوهر الأشياء لذلك يتمرن الحكماء الحقيقيون على الموت لأن الموت طريق الخلاص.

– أما الروح النجسة فلا ينقذها الموت من الآلام بل تبقى دائرة حول القبور والرموس نافرة من عالم الغيب خائفة منه تقاسي العذاب جزاء ما ارتكبت في ماضي حياتها من آثام إلى أن تعود ثانية إلى الأرض في تجسد جديد.

– بعد موتنا يقتادنا الأرواح الموكول إليها أمرنا في هذه الحياة إلى مكان يساق إليه كل ذاهب لتأدية الحساب وبعد المكث هناك الزمن الضروري تعود ثانية إلى التقمص في جسد جديد.

– الأرواح تملأ ما بين السماء والأرض وعن طريقها توحي الأرواح العلوية إلى الإنسان إن في اليقظة أم في المنام لأن الأرواح السامية لا تناجي الإنسان مباشرة.

– الحكيم لا تهمه هذه الحياة العارضة، بل يهتم بالحياة الأخرى الأبدية فهي اولى بالاهتمام ما دامت الروح أبدية.

– يبقى في الروح بعد انفصالها عن الجسد كل ما كان للجسد من طبائع و ميول و أفعال، وليس من بلاء أشدُّ على الإنسان من أن يرحل إلى عالم الغيب وروحه ملطخة بالآثام.

– لا تقابل الإساءة بالإساءة ولا تُلحق الضرر بأحد و إن أساء إليك من الثمرة تعرف الشجرة.

– الغنى خطر وبلاء، من أحبَّ المال لم يحب نفسه وما هو لنفسه بل أبعد عنها كل ما هو لها .

– لا تُسر الذات الإلهية بالصلوات والذبائح بقدر ما تُسرُّ بروح فاضلة تبذل جهدها للتشبه بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى