مقالات متنوعة

ما بين الموت وأسراره

أحاول في هذه القطعة، قدر الإمكان، إعطاء صورة واضحة عن التعاليم السرّية؛ فهذه التعاليم الموجودة، والمغلَّفة بحجاب كثيف من الرموز والإشارات، أصبحت المحرِّض للإنسان الباحث في الأسرار ليتجرَّد من الحرف ويعتنق الروح، فيبدأ بالسير على الدرب الروحي.

الإنسان يتساءل عن المغزى من وجوده في هذا الكون الشاسع، ولِمَ عليه البقاء ضمن دائرة مبهمة من التساؤلات التي لم يجد لها جواباً شافياً، في رحاب هذا الكون المترامي الأطراف نشهد موت الأشياء كلِّها مستسلمين للقدر، الذي يبدو لنا وكأنه يعبث بمصيرنا، ويطيح كلَّ قوانين “المنطق” التي اعتدنا عليها، وفي لحظات الصمت، يبدأ الإنسان بالتفكير من جديد في الوسيلة المثلى للانتصار على الموت، وهنا الخطيئة المميتة التي يرتكبها أغلب البشر. فالموت لم يكن – ولن يكون أبداً – عدوَّ للإنسان؛ بل هو جزء من النظام الكوني الذي وضعه الإله المطلق ليساعدنا على الوصول إلى الانعتاق من دائرة الوجود؛ دائرة الولادة والموت المتكرِّرة التي يطلق عليها الهندوس اسم سمسارا. فكل ما هو موجود في الكون المتجلِّي خاضعٌ لمبدأ الثنائية، لمبدأ السالب والموجب، لمبدأ الخير والشر، لمبدأ الحياة والموت، لمبدأ النور والظلمة، لمبدأ الرحمن والشيطان. فبدون هذه الثنائية لا يمكن للحياة أن تستمر.

فالصورة الرمزية التي تحدثنا عنها الاديان، من أن الله أخذ طيناً ونفخ فيه من روحه ليشكِّل الإنسان ليست إلا رمزاً إلى أن الطين أو المادة التي تشكل نسيج الكون كلِّه، موجودة في مادة الإنسان أيضاً. فالإنسان، أو “طينته” أي جسمه المادي، يحوي الحديد والبوتاسيوم والنحاس وكل مواد الكون قاطبة؛ وتوجد فيه أيضاً “الروح” التي نفخها الله في رئتيه.

من هنا نرى أن الحكمة تتجدد وتتكرر برموز كونية، مثل السفيرات السبع في القبالة، ومواهب الروح القدس السبع في الكنيسة الكاثوليكية ( الحكمة – الفهم – المشورة – القوة – العلم – التقوى – مخافة الله). ، وأبناء ديفاكي السبعة الذين قتلهم الملك كانسا قبل ولادة كرشنا في الأسطورة الهندوسية.

وكما يلاحظ، فإن الرقم السباعي يعود مجدداً للظهور، والكثير مما يُروى في الأديان ليس إلا رمزاً كونياً أكثر منه حقيقة تاريخية. وأكثرنا يعرف أن عدد تلاميذ المسيح كان اثني عشر تلميذاً؛ وهذا رمز كوني لأن 3 (الثالوث العلوي) * 4 (الرباعية الدنيا) = 12.

إن عرس قانا الجليل أو العشاء السري اللذين يحدثنا عنهما الإنجيل يرمزان إلى نوع من تلقين الأسرار الذي يحدث بعد أربعة أيام من التجارب وثلاثة أيام من الهبوط إلى الجحيم (3 * 4 = 12)؛ ووجود المسيح وسط الحواريين هو في الحقيقة رمز لوجود خريستوس*، المبدأ السابع في الإنسان، والمبدأ السابع في الكون أيضاً. ففي المراحل الأخيرة من تعلُّم الأسرار الكونية، يدخل المريد بهذا الرمز لتحقيقه باطنياً. والأمر نفسه كان موجوداً عند المصريين القدماء: فالمريد في المرحلة الأخيرة يدخل في تجربة مدتها أربعة أيام، ومن بعدُ يدخل إلى قدس الأقداس في الهرم ويبقى “ميتاً” مدة ثلاثة أيام. وفي اليوم الثالث تدخل الشمس من مكان سري إلى داخل الهرم لتسطع على وجه المريد، فـ”يقوم من بين الأموات”. والحقيقة هي أن ما يراه المريد هو الشمس الباطنية التي تشع أمام بصيرته، أو عينه الباطنية. وهذه الشمس هي اللوغوس الشمسي أو خريستوس.

والمريد الذي يجتاز هذه التجربة يصبح “صغيراً”، أي مسارَراً بالحكمة. لذا نجد في الإنجيل أن المسيح يقول: “دعوا الأطفال يأتون إليَّ لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله”؛ و”إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السموات.” لكنهم، وبكل أسف، أخذوا الأمور على محمل الحرف: ففيما يخص كلمة “أطفال”، فالمعنى السرَّاني والترجمة الصحيحة لكلام المسيح يختلفان تماماً عما فسَّره علماء اللاهوت، لأن المعنى الحقيقي هو صغار وليس “أطفال”. لماذا؟ لأنه في اليهودية في ذاك الزمان كان يُطلق على المسارَرين بالحكمة والروح اِسم “الصغار”، أي المولودين من جديد. وبهذا المعنى نفهم كلمة المسيح في كلامه عن الصغار؛ أي إن لم نصبح صغاراً (مسارَرين بالحكمة طاهرين) فلن ندخل الملكوت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى