تاريخ الماسونية

الماسونية في الشرق الاوسط (1)

لما كان التاريخ مرآة الأحوال، كانت الطريقة المثلى لتبيان حقيقة غاية هذه الجمعية،  لابد  ان نوضح للمشاهد العربي مختصر تاريخها في الشرق الاوسط، أملين ان تروق قناتنا لدى أبناء اللغة العربية وليعذروننا على ما يلاقونه فيه من النقص، وذلك  إلى الشح الكبير جداً في المعلومات وفي الوثائق، حيث لا توجد أية دراسة جدية أو محايدة بهذا الخصوص. هنالك فقط بعض ما يقوله بعض كبار الماسون العرب الأوائل، كشاهين مكاريوس أو جرجي زيدان؛ وهناك أيضاً بعض ما قاله حينئذ بعض “معارضيهم”، وأهمهم في أوائل القرن الماضي الأب (اليسوعي) لويس شيخو. ومما قدمه هؤلاء، ومن وثائق أخرى، بوسعنا أن نقول، ولو بشكل أولي، أن نشوء الماسونية الحديثة في بلدان مشرقنا العربي إنما كانت نتيجة الحداثة الأوروبية التي سرعان ما تلقفتها في بلادنا نخب كانت تتطلع إليها وتحاول تقمصها والاستفادة منها من أجل النهوض بأوطانها. ايضاً واقع وجود أساس محلي متمثل على أرض الواقع بتقاليد معرفية وسِرانية عريقة في هذه البلدان كانت ذات يوم منبع الأديان السامية الثلاثة كالقبالة بالنسبة لليهود، والغنوصية بالنسبة للمسيحيين، وخاصة الطرق الصوفية والباطنية بالنسبة للمسلمين الذين يشكلون أغلبية سكان هذه البلاد.

الماسونية في مصر: 

في أواخر القرن الثامن عشر، حيث يتحدث د. حسين عمر حمادة، فيقول إن: “وضع الرحالة محمود خير الدين صاحب الشورى كتاباً عن رحلاته مما جاء فيه أن الماسونية الرمزية انبعثت في مصر عام 1798، عندما احتلها نابليون بونابرت، فقد أسس الجنرال كليبر وعدد من الضباط، وكانوا من “الأخوة الماسونيين” محفلاً في شهر آب عام 1798 دعوه محفل إيزيس، يعمل على طريقة ماسونية تسمى الطريقة الممفيسية أو الطريقة الشرقية القديمة.

سافر أحد أعضاء هذا المحفل من الوطنيين في العام 1814، ويدعى صموئيل حنس، إلى فرنسا وأنشأ في مونت أمبو محفلاً على الطريقة الممفيسية في 13 نيسان عام 1815، بمساعدة الأخ جبرائيل متى مركونيس والبارون دوماس والماركيس، وقد تفرع من هذا المحفل في فرنسا محافل أخرى كثيرة كانت تشتغل على الطريقة الممفيسية، حتى أقيم لها في فرنسا محفل أعظم ومجلس عال، وفيه كل الدرجات العالية.

    كما تعددت المحافل في مصر، وفي عام 1830 اسس الاخوان الايطاليون في الاسكندرية محفلاً قانونياً يجتمـع فيه الاخـوان علـى الـطريقة الاسكـوتلانديـة، وفي الـعام 1837 تأسس محفل “مينيس” تحت رعاية المجلس العالي الممفيسي الفرنسي، فانضم إليه رهط كبير من رجال السياسة والادباء فكثر اعضاؤه وذاعت شهرته بانضمام الامراء إليه وفي مقدمتهم البرنس عبد الحليم باشا ولم يمض على هذا المحفل زمن قصير حتى اصبح اعضاؤه يزيدون على الالف وكلهم من الاعضاء العاملين في جملتهم السنيور سولوتور افنتوري زولا وهو من اهر الين عملوا في الماسونية في الديار المصرية من الجالية الايطالية.

 

كثرت المحافل في مصر، تأسس عام 1846 محفل ايطالي بالقاهرة، وفي العام 1865 انشئت عدة محافل فرنسية وايطالية من جملتها محفل “منف” وانشئت محافل في السويس وبور سعيد والاسماعيلية وكان اول محفل صرح له بالاشعال في الدرجات العليا إلى درجة 33 محفل ايطالي تأسس في الاسكندرية سنة 1864 من المجلس السامي الإيطالي.

اما المحافل الانكليزية فقد تأسس اول محفل “الكونكورد” سنة 1867 ثم محفل  “بلور” ومحفل “كوكب” كان يعمل باللغة العربية، كان لا يؤمه إلا المصريون فحسب، أو من هم في حكمهم؛ منهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده اللذان بثا فكرة الاستقلال ومقاومة النفوذ الأجنبي في البلاد.

وكان كثير من الاخوان يسعون لتأسيس محفل اكبر مصري يحق له منح الدرجات العالية وتنصيب المحافل وعطاء البراءات.

وفي 8 ايار 1876 اجتمع الاخوان من جميع المحافل الموجودة في مصر قرروا اعلان المحفل الاكبر الوطني المصري، وانتخبوا الاستاذ زولا رئيساً  اعظم له، فما ان استلم الرئاسة حتى اصدر اول مرسوم الى جميع المحافل المصرية يبلغها فيها ان تأسس محفل اكبر في البلاد المصرية  ولا يجوز لهم ان يتبعوا اي سلطة خارجية، ومن ذلك الحين اصبحت الماسونية المصرية معروفة لدى المحافل العظمى في سائر انحاء العالم.

ففي 8 تشرين الثاني من العام 1871 اتحد تسعة من الإخوة وقرروا الاجتهاد في تأسيس مجلس عال على الطريقة الاسكوتلاندية، قد نجحو في ذلك لأن البراءة بإنشاء ذلك المجلس كانت في يد أحدهم، وقد تحصل عليها قبل ذلك الحين بسبع سنوات من المجلس العالي الاسكوتلاندي في نابولي؛ فاجتمع هؤلاء الإخوة وقرروا وجوب تأسيس هذا المجلس على الطريقة الاسكوتلاندية إلى درجة 33، ثم اجتمعوا اجتماعاً رسمياً لتأسيسه وتثبيته تحت رئاسة الأخ دومانيكو شاروني.

بعد ذلك قام الأخ الماركيس دي بورغارد إلى إحياء المجلس العالي الممفيسي، ثم تأسس المجلس العالي الفلسفي، ثم اتحد هذان المجلسان والمجلس العالي الاسكوتلاندي في 15 ايلول من السنة التالية، فتألف من اتحداها جميعا الشرق الأعظم الوطني المصري، وهو الدولة الماسونية المصرية وتحته الطريقة الممفيسية والطريقة الاسكوتلاندية.

بينما الطريقة الممفيسية فلم تكن الدول الماسونية تعتبرها أصولية قانونية، ولا سيما المحافل العظمى الإنكليزية والأيرلندية والاسكوتلاندية ومعظم المحافل العظمى الأميركانية. فتشاور الشرق الأعظم المصري في الأمر، فأقر على إغفال الطريقة الممفيسية وحفظ الطريقة الاسكوتلاندية، بحيث تكون وحدها دعامة الدولة الماسونية المصرية، ولم يكن إلى ذلك العهد في مصر محفل أعظم رمزي، مع أن المحافل الرمزية الفرعية كانت قد تعددت، فأقروا على تأسيس محفل أعظم تكون له السيادة والسلطة على سائر المحافل الرمزية الفرعية، وجعلوا سلطة المجالس العليا محصورة في الدرجات العليا. فأعلنوا قرارهم هذا إلى عموم الدول الماسونية في العالم، فاستحسنته وأجابتهم بمصادقتها عليه، وباعتبارها هذا الشرق الأعظم وما تحته من الجماعات الماسونية من ذلك الحين بصفة قانونية رسمية.  وقد صدر بإنشاء المحفل الأعظم أمر عال.

ولم تمضِ مدة وجيزة حتى أصبحت المحافل الوطنية المصرية تحت رعاية الشرق الأعظم المصري عديدة، وبعد تثبيت الشرق الأعظم عمدوا إلى انتخاب أستاذ أعظم يرأس أعماله، فوقع الانتخاب على الأخ الكلي الاحترام زولا المتقدم ذكره، فقبل على شرط أن تكون مدته لثلاثة أشهر فقط ليختبر الأعمال، وبعد مضي المدة المذكورة علم بصعوبة المركز، ولكنه قبل الانتخاب الثاني واستلم زمام الرئاسة على. الشرق الأعظم في 21 اذار سنة 1973.

وبعد وفاة الاستاذ الاعظم زولا خلفه الدكتور ديونيس ايكونو موبولو اليوناني، وهو اصدر قراراً بتاريخ 01/06/1885 بطبع الدستور الماسوني باللغة العربية، وكان مركز المحفل الاكبر ذلك الحين في الاسكندرية ثم نقل إلى القاهرة، وظل الدكتور ايكونومولولو على الرئاسة إلى ان اجتمعت المحافل وقررت انتخاب الخديوي محمد توفيق باشا استاذاً اعظم سنة 1887.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى